رحلة بلا عودة.. كيف تحوّلت ليبيا إلى نقطة عبور للمهاجرين محفوفة بالموت؟

رحلة بلا عودة.. كيف تحوّلت ليبيا إلى نقطة عبور للمهاجرين محفوفة بالموت؟
انتشال جثامين مهاجرين أمام السواحل الليبية

في مطلع هذا الأسبوع، لفظ البحر قبالة سواحل مدينة طبرق الليبية 18 جثمانًا لمهاجرين غير نظاميين مصريي الجنسية، بينما لا يزال نحو 50 آخرين في عداد المفقودين، في مشهد يتكرر بمرارة في مياه البحر المتوسط، لم ينجُ سوى 10 أشخاص من ركاب القارب المنكوب، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، التي اعتبرت هذه الحادثة “تذكيراً صارخاً بالمخاطر المميتة التي يجبر الناس على خوضها بحثاً عن الأمان والفرص”.

أعادت هذه الفاجعة تسليط الضوء على الأزمة المستمرة للمهاجرين الذين يحاولون عبور المتوسط من ليبيا، حيث تتقاطع الدوافع الإنسانية مع السياسات الإقليمية والدولية، لتكوّن لوحة مأساوية يتحمل ثقلها في النهاية أناس بسطاء لا يملكون إلا أحلامًا بالخلاص.

تعد ليبيا منذ سنوات طويلة نقطة عبور رئيسية للمهاجرين واللاجئين من دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ومن مصر والسودان ودول أخرى مزقتها الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة، بعد انهيار مؤسسات الدولة إثر سقوط نظام القذافي عام 2011، تحولت السواحل الليبية الممتدة بطول يزيد على 1900 كيلومتر إلى بوابة مفتوحة نحو أوروبا، لكنها أيضًا باتت مصيدة للموت.

وتوثق تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن الآلاف يلقون حتفهم سنويًا في البحر المتوسط، ففي عام 2024 وحده قُتل أو فُقد أكثر من 3200 شخص أثناء محاولتهم العبور، بزيادة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، ووفقًا لتقديرات حديثة، غادر أكثر من 102 ألف شخص السواحل الليبية خلال عام 2024 في قوارب متهالكة، نصفهم تقريبًا تم اعتراضهم أو إعادتهم إلى ليبيا، حيث يواجه كثير منهم الاحتجاز في ظروف وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها “لاإنسانية ومهينة”.

أحلام أكبر من الخوف

رغم خطورة الرحلة، لا يتوقف تدفق المهاجرين غير النظاميين فوفقا لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”: "الهاربون من الفقر المدقع أو النزاعات المسلحة يدركون المخاطر، لكنهم يرون فيها أملًا أخيرًا أمام مستقبل مسدود في بلدانهم".

هذا ما تؤكده أيضًا الشهادات القليلة التي نُقلت عن الناجين من القارب الغارق قبالة طبرق، إذ دفعهم الضيق الاقتصادي في قراهم للبحث عن فرصة عمل في أوروبا، مهما كان الثمن.

ويقف خلف هذه الرحلات المميتة شبكات تهريب منظمة تتقاضى مبالغ ضخمة تصل أحيانًا إلى خمسة آلاف دولار عن كل مهاجر، مقابل “رحلة” على متن قارب مطاطي أو خشبي متهالك لا يصلح للإبحار أصلًا، وتفيد تقارير أممية بأن أرباح هذه الشبكات في ليبيا وحدها تُقدَّر بمئات الملايين سنويًا.

الخطير أن هذه الشبكات تستغل أيضًا حالة الانقسام السياسي الليبي، وضعف الرقابة في بعض المناطق الساحلية، ما يسهل عمليات تهريب البشر دون محاسبة فعّالة.

دور السلطات الليبية

رغم الجهود التي تبذلها السلطات الليبية لمكافحة الهجرة غير النظامية، لا تزال إمكانياتها محدودة، كما أن بعض ممارساتها تثير قلقًا حقوقيًا، وقد انتشرت في السنوات الأخيرة مراكز احتجاز يُعاد إليها المهاجرون الذين يتم اعتراضهم في البحر، وسط انتقادات واسعة بسبب تقارير عن سوء المعاملة والتعذيب والابتزاز.

وبحسب إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة، تم خلال عام 2024 اعتراض أكثر من 14 ألف مهاجر في البحر وإعادتهم قسرًا إلى الأراضي الليبية، ويشير خبراء إلى أن السياسات الأوروبية شجعت هذا النهج؛ إذ تقدم أوروبا منذ سنوات الدعم الفني واللوجستي والتدريب لخفر السواحل الليبي، بهدف تقليل أعداد المهاجرين الواصلين إلى السواحل الإيطالية والمالطية واليونانية.

وقد بدأت مؤخرًا تدريبات جديدة في جزيرة كريت اليونانية لأفراد خفر السواحل من شرق وغرب ليبيا لتعزيز قدراتهم في عمليات البحث والإنقاذ، غير أن منظمات دولية، مثل “أطباء بلا حدود” و”العفو الدولية”، تنتقد هذا التعاون لأنه يركّز على المنع والردع بدلًا من حماية الأرواح.

حدود متوترة وسياسات متشددة

الحادثة الأخيرة تأتي أيضًا في سياق توتر مستمر بين اليونان وليبيا، خاصة بعد اتفاق الحدود البحرية بين طرابلس وأنقرة عام 2019، والذي تعتبره أثينا غير شرعي، هذا التوتر انعكس في سياسات أشدّ صرامة تجاه المهاجرين القادمين من ليبيا؛ إذ أصدرت اليونان تشريعًا جديدًا يمنع هؤلاء من طلب اللجوء بدعوى أنهم ينطلقون من “بلد آمن”، كما نشرت فرقاطات بحرية قبالة السواحل الليبية ضمن مساعيها للحد من تدفق المهاجرين.

تُعد رحلة البحر المتوسط أخطر طريق هجرة في العالم. وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، منذ عام 2014 وحتى اليوم، لقي أكثر من 28 ألف مهاجر مصرعهم أو فُقدوا في مياه المتوسط.

في الوقت نفسه، لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد من يُحتجزون داخل ليبيا، لكن بعض التقديرات تشير إلى وجود الآلاف في مراكز احتجاز رسمية، إضافة إلى أعداد غير معلومة في سجون ومواقع احتجاز سرية تديرها جماعات مسلحة.

نداءات واستجابات محدودة

جددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، عقب الحادثة الأخيرة، مطالبتهما للسلطات الليبية بتعزيز إجراءات السلامة وإنهاء الاحتجاز التعسفي للمهاجرين، وللاتحاد الأوروبي بضرورة إعادة النظر في سياسات التعاون التي تركّز على الردع دون تقديم بدائل آمنة.

وتشير تقارير “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الحل الجذري يكمن في توسيع قنوات الهجرة الشرعية، وتوفير طرق آمنة للمهاجرين واللاجئين للوصول إلى أوروبا دون الحاجة للجوء إلى المهربين.

ورغم الأرقام الكبيرة والتحليلات السياسية، تبقى المأساة الأشد وقعًا هي إنسانية بحتة؛ فمعظم الضحايا من الشباب والفتيان الذين تركوا خلفهم أسرًا لا تملك سوى الانتظار على أمل تلقي خبر بقاء أحبائهم على قيد الحياة، أو على الأقل العثور على جثامينهم لدفنها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن استمرار هذه الحوادث يؤكد الحاجة الماسة لجهود جماعية حقيقية للحد من الخسائر في الأرواح، وليس الاكتفاء بإحصائها بعد وقوع الكارثة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية